
ها هو شهر رمضان يغادرنا, مضت أيامه المعدودة, مضت لياليه الفاضلة, مضى بما أودعنا فيه من أعمال, نسأل الله عز وجل القبول.
إن الآثار الإيجابية التي تركها الصوم في نفوسنا ينبغي ألا تنطفئ وتنتهي مع انتهاء الشهر, ينبغي أن تستمر تلك الطاعات, وأن نستثمر إقبال النفس على الطاعة, فإن من علامات قبول الطاعة أن يوفق العبد لطاعة بعدها.
أما العيد فهو عبادة شرعها الله عز وجل لهذه الأمة العظيمة, وهو إظهار للسعادة والفرح بتمام الطاعة, شرع للذكر وللتكبير ولشكر المولى الكريم.
ولا يمكن لفرحتنا بهذا العيد أن تنسينا إخوة لنا لم تكتمل فرحتهم لأي سبب من الأسباب, ولذا فقد شرع الله عز وجل زكاة الفطر لنغني الفقير يوم العيد ويكون الناس كلهم معهم قوت يوم العيد, فالطعام أحد مقومات الحياة, قال - صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن ذُلِّ السؤال في هذا اليوم" أخرجه الحاكم.
فإن كنا مأمورين أن نغني الفقراء عن السؤال في يوم العيد, فإنا بلا شك مأمورون ألا ندعهم في خوف أو جوع أو اضطهاد أو احتلال أو حصار, وكل واحد مأمور بحسبه وبحسب قدرته ومسؤوليته.
ولهذا ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم المثال الإيجابي للمسلمين بالجسد الواحد، فقال عليه الصلاة والسلام: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى منهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَد بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عند مسلم: "الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ واحِدٍ إِن اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالْحُمَّى والسَّهَرِ"، إن هذا المثال النبوي بحاجة للتأمل, فَتشْبِيهه المؤمنينَ بِالجسَدِ الوَاحد تمثِيل صحيح, وفيه تَقرِيب للفهم وإظْهَار لِلمعَانِي في الصُّوَر الْمَرْئِيَّة, وفي الحديث أمر لنا بأن يكون حالنا كحال الجسد الواحد الذي يتفاعل كله مع الألم الذي يحل بجزء منه, إنها صورة معنوية وحسية في الجسد علينا أن نجعل منها صورة حقيقية على أرض الواقع.
تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال, وأعاده الله علينا وعلى الأمة الإسلامية وقد تحقق لها النصر والتمكين, وكل عام وأنتم بخير.